الشيخ عبد الغني النابلسي
297
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
لأهل المحشر في صورة كما ورد في الحديث الصحيح « 1 » فيعرف ، أي يعرف فيها من كان يعرفه في الدنيا بتلك الصورة ثم يتحوّل سبحانه في صورة أخرى فينكر فيها ، أي ينكره من لم يعرفه فيها في الدنيا ثم يتحوّل سبحانه عنها في صورة أخرى فيعرف فيها ، لأنه كان يعرف فيها في الدنيا من حيث التصوّر في الخيال ومع ذلك كله هو سبحانه وتعالى هو على ما هو عليه في الأزل من تنزهه وتقدسه المتجلي في تلك الصورة المتحوّل فيها ليس غيره أصلا في كل صورة تجلى بها وتحوّل عنها إلى غيرها . ومعلوم عند العقل أن هذه الصورة التي تجلى فيها ما هي عين تلك الصورة الأخرى التي تحوّل عنها ونحو ذلك فكانت العين ، أي الذات الإلهية واحدة في نفسها وقد قامت لأهل المحشر يوم القيامة الناظرين إليها مقام المرآة المجلوة الظاهرة لهم كلهم على ما هي عليه من إطلاقها الحقيقي بحيث لا ينضبط منها عند ظهورها أمر من الأمور في الخيال ولا في الحس أصلا لعدم تقيدها من حيث هي بوجه من الوجوه غير ما استعد له الناظر من الصورة الناشئة عن مقدار قوّته في إدراك ما استطاع منها في الدنيا وهي غيب عنه ومات على ذلك فيظهر له منها في حضورها يوم القيامة مقدار ذلك . فإن نظر الناظر فيها ، أي في تلك العين التي هي كالمرآة إلى صورة معتقده بصيغة اسم المفعول أي ما كان يعتقده في اللّه تعالى في الدنيا ومات على ذلك عرفه ، أي عرف معتقده الذي مات عليه فأقر ، أي اعترف به أنه ربه تعالى وإذا اتفق أن يرى فيها ، أي في تلك العين التي كالمرآة معتقد ، أي ما يعتقده غيره من صورة استعداد ذلك الغير أنكره أن يكون ربه وتعوّذ منه كما ورد في الحديث « 2 » وقد ذكرنا فيما مر وغيره بعكسه كما يرى الإنسان في المرآة المجلوة صورته ويرى أيضا صورة غيره فيها فالمرآة عين واحدة لم تتغير أصلا في نفسها ، وإن ظهرت فيها الصور المختلفة وتحوّلت منها وعادت إليها ، وإنما التغير والتحوّل والاختلاف في الصور فقط لا في المرآة والصور الظاهرة في المرآة كثيرة في عين الرائي وليس حالا في تلك المرآة صورة منها ، أي من تلك الصور الكثيرة جملة واحدة مع كون المرآة لها أثر محقق في ظهور تلك الصور فيها بوجه إذ لولا وجود المرآة ما كانت تلك الصور والأشكال الظاهرة أصلا وما
--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) سبق تخريجه .